LYNN TOHME

LYNN TOHME

لماذا توقّفنا عن اختيار اللغة العربية كلغة كتابة؟؟

لماذا توقّفنا عن اختيار اللغة العربية كلغة كتابة؟؟

في اللغة الإنجليزية، يمكن للحب أن يُقال بكلمتين، وتكتمل الجملة.

أما في العربية، فلا يُقال الحب مرة واحدة، ولا بصيغة واحدة. هو هوى في بدايته، ثم مودة، ثم شغف، ثم تعلّق، ثم عشق، وقد يبلغ الهيام. لكل درجة اسمها، ولكل حالة توصيفها، وكأن اللغة قرّرت منذ نشأتها ألا تختزل التجربة الإنسانية، بل أن تلاحق تفاصيلها الدقيقة، وتسميها واحدةً واحدة.

هذا التنوّع ليس ترفًا لغويًا، بل تعبير عن رؤية كاملة للعالم.

العربية لم تُبنَ للاختصار، بل للفهم. ولم تُخلق لتقول الحد الأدنى، بل لتقول الشيء بدقّة.

ومع ذلك، تبدو المفارقة اليوم واضحة.

نحن نملك لغة بهذه القدرة التعبيرية، وبهذا العمق الجمالي، لكننا نبتعد عنها كلما أردنا أن نكتب، أو نحلّل، أو نعبّر عن أنفسنا بوضوح. العربية لم تفقد خصائصها، لكنها فقدت موقعها الطبيعي في الممارسة اليومية. لم تعد الخيار الأول، بل خيارًا مؤجّلًا، أو رسميًا، أو احتياطيًا.

العربية اليوم مفهومة ومسموعة، لكنها نادرًا ما تكون لغة الكتابة الطوعية أو التفكير الداخلي. كأننا نحترمها من الخارج، من دون أن نسكنها من الداخل.

وهذا ليس شعورًا عامًا فقط، بل يظهر أيضًا في المؤشرات.

رغم أن عدد الناطقين بالعربية يتجاوز 400 مليون شخص، فإن نسبة المحتوى العربي على الإنترنت لا تتجاوز 1% من نسبة إجمالي المحتوى العالمي. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير تعليمية دولية إلى أن أكثر من نصف الأطفال في المنطقة العربية يعانون صعوبة في القراءة والفهم بنصوص مناسبة لأعمارهم. هذه الأرقام لا تعني أن العربية ضعيفة، بل أن علاقتنا العملية بها أصبحت هشّة.

والمفارقة الأعمق أن العربية التي كانت، في تاريخها الشعري، لغة تُحمّل الكلمة أكثر من معناها الظاهر، وتستخدم الاستعارة، والكناية، والطباق، والتشبيه، وتراكم الصور، أصبحت اليوم لغة نتعثّر بها حتى في أبسط صيغها. اللغة التي كتب بها الشعراء تجارب إنسانية معقّدة، وصاغوا بها مشاعر دقيقة بلا خوف، أصبحت، في الاستخدام اليومي، لغة “صعبة” حتى في جملها الأساسية، ومليئة بالأخطاء، ومتروكة للتبسيط المفرط أو الهجر.

هذا لا يعني أننا أقل ذكاء، بل أننا أقل ممارسة.

حين ننظر إلى مجتمعات أخرى، يتضح الفرق في التعامل مع اللغة.

في ألمانيا، لا تُطرح اللغة الألمانية بوصفها خيارًا ثقافيًا، بل بوصفها لغة المجال العام، والتعليم، والعمل. في الولايات المتحدة، رغم التعدد اللغوي، تبقى الإنجليزية لغة التفكير المشترك والنقاش العام. ليس لأن هذه اللغات أرقى، بل لأن المجتمع حسم أمره: لغته الأساسية ليست قابلة للاستبدال في الحياة اليومية.

نحن، في المقابل، نعيش تعددية لغوية حقيقية، وهذا في ذاته قيمة. نتقن لغات أجنبية، ونستخدمها بكفاءة. المشكلة لا تبدأ هنا، بل حين يتحول هذا الإتقان إلى إزاحة، وحين تصبح العربية لغة يمكن الاستغناء عنها بلا شعور بالخسارة.

كأننا نقول، بصمت: من الجيد أن نعرف العربية، لكن ليس ضروريًا أن نستخدمها.

في لحظة ما، بدأت ألاحظ نفسي داخل هذا السياق.

في الرسائل السريعة، في الردود اليومية، في الكلمات التي تخرج تلقائيًا. أكتب “thank you” أسرع مما أكتب “شكرًا”، وأقول “bonjour” قبل أن يخطر لي “صباح الخير”. لم يكن ذلك موقفًا واعيًا، بل عادة تشكّلت بهدوء.

فبدأت محاولة بسيطة: حذف الرسالة المكتوبة بلغة أجنبية، وإعادة كتابتها بالعربية. اختيار الكلمة العربية في الحديث اليومي، لا كاستعراض، بل كاستعادة. هذه المحاولة الصغيرة لم تغيّر العالم، لكنها كشفت كم أن العربية غابت عن تفاصيلنا، لا عن شعاراتنا.

وتبلغ هذه المسافة ذروتها داخل البيت.

في كثير من البيوت، يُختار التحدث مع الأطفال بلغة أجنبية. نواسيهم، نلاعبهم، نغضب منهم، ونعبّر عن حبنا لهم بلغة ليست لغتنا الأولى. غالبًا بحسن نية، وباسم “المستقبل”. لكن اللغة التي لا تُستخدم في البيت لا تصبح لغة داخلية، ولا لغة شعور، بل لغة واجب مؤجّل.

اللغة التي لا نستخدمها لنقول “أنا أحبك”،

لن نستخدمها لاحقًا لنفكّر، أو نكتب، أو نحلّل.

المشكلة ليست أن العربية صعبة.

كل لغة تصبح صعبة حين لا تُمارَس.

إعادة الاعتبار للعربية لا تحتاج إلى شعارات ولا إلى خوف.

تحتاج إلى فعل يومي بسيط: أن نختارها. أن نكتب بها رغم عدم الكمال. أن نتحدث بها في بيوتنا دون تردّد. أن نسمح لها بأن تكون لغة مشاعرنا، لا فقط لغة مناسباتنا.

فاللغة لا تُقصى حين تُهمَل رسميًا،

بل حين نتوقف عن استخدامها في حياتنا الخاصة.

وربما لا يكون السؤال متى تراجع حضور العربية،

بل لماذا قبلنا، بهدوء، أن تصبح غريبة عنا، ونحن نعرف كل ما كانت، وكل ما يمكن أن تكونه.