LYNN TOHME

LYNN TOHME

لماذا نعيش أكثر… ونشعر أقل؟

لماذا نعيش أكثر… ونشعر أقل؟

في مجتمع يُدفَع فيه الناس يوميًا إلى التكيّف مع تغيّرات حادّة وضغوط مستمرة، تصبح القدرة على الإحساس عبئًا إضافيًا على كاهل الفرد. لا يتوقّف العالم لحظة واحدة كي يلتقط أحدهم أنفاسه. الأحداث تتلاحق، المتطلبات تتصاعد، والمقاييس ترتفع بطريقة تجعل الشعور نفسه رفاهية يصعب الحفاظ عليها. ومع الوقت، يلاحظ الإنسان أنه يقوم بكل ما عليه، لكنه لا يعود حاضرًا كما كان. ليس لأن الحياة فقدت معناها، بل لأن الحواس الداخلية أصبحت مرهقة من متابعة هذا الإيقاع المتسارع.

هذا التراجع في الشعور لا يظهر فجأة، بل يتكوّن ببطء شديد. تبدأ العلاقة بين الإنسان ويومه بالتحول من تفاعل طبيعي إلى أداء شبه آلي. يلاحظ أنه يستكمل المهام لكنه لا يشعر بثقلها أو خفتها. يشارك في اللحظات لكنه لا يتأثر بها. يصبح اليوم منسابًا بطريقة منظمة، لكنه يخلو من ذلك الوميض الذي يربط التفاصيل بالذاكرة وبالإحساس. وكأن الإنسان يعيش من الخارج فقط، بينما الجزء الداخلي منه يبتعد خطوة واحدة.

في علم النفس، يُعرف هذا الضعف في التفاعل العاطفي بمصطلح الأنهدونيا. وتظهر دراسات حديثة أن هذه الحالة ليست نادرة كما نعتقد. ففي إحدى الدراسات التي شملت مشاركين يعانون من اضطراب الاكتئاب الكبير، أبلغ ما يقارب اثنين وخمسين في المئة منهم عن انخفاض واضح في القدرة على الشعور بالمتعة أو الاهتمام. هذا الرقم يوضح أن المسألة ليست استثناءً، بل جزء من تجربة بشرية أكثر انتشارًا مما يبدو. والأهم من ذلك أنه يعكس تأثير الضغوط المتواصلة على قدرة الإنسان على الاستشعار، ولا يرتبط فقط بالحالات النفسية الشديدة.

ومع تراكم الأيام، يبدأ الفراغ الداخلي بالتشكل. ليس فراغًا دراميًا، بل مساحة خافتة تنمو بصمت. قد يشعر الإنسان أن الأمور التي كانت تمنحه المتعة أصبحت عادية. أن لحظات الفرح تمر من دون أثر يذكر. أن العلاقات أصبحت تعتمد على الواجب أكثر مما تعتمد على الرغبة. وكل ذلك يحدث تدريجيًا إلى أن يصبح الهدوء الداخلي أشبه بتراجع خفيف عن المشاركة في الحياة.

وهنا تبرز قيمة الفكرة التي قدمها الكاتب تود هنري في كتابه مت فارغًا. لم تكن دعوته إلى هذا المفهوم احتجاجًا أو مبالغة، بل قراءة دقيقة لآلية تراكم الأمور المؤجلة داخل الإنسان. فكل مشروع لم نكمله، وكل رغبة لم نمنحها وقتها، وكل قرار قمنا بتأجيله، وكل عادة توقفنا عنها من دون سبب واضح، تتحول إلى مساحة راكدة داخلنا. ومع مرور الوقت تتجمع هذه المساحات لتخلق شعورًا غير مباشر بأننا أبعد عمّا نريده بالفعل.

الفكرة ليست متعلقة بالإنتاجية ولا بنمط حياة مثالي، بل تتعلق باستعادة حس السيطرة على جزء صغير من اليوم. خطوة واحدة يتم تنفيذها قد تعيد له بعضًا من حيويته. عادة قديمة يتم إحياؤها تمنح اليوم معنى مختلفًا. مهمة تبدو بسيطة لكنها تعيد الإحساس بأن الإنسان ما زال قادرًا على تحريك جزء من حياته بدل تركه خامدًا. هذه التحركات الصغيرة قد تبدو متواضعة لكنها قادرة مع الوقت على تغيير مساحة كاملة من الداخل.

ليس المطلوب أن يشعر الإنسان بكل شيء دفعة واحدة، ولا أن يستعيد كل ما فُقد خلال لحظة معينة، بل أن يمنح نفسه الفرصة للعودة تدريجيًا. العودة لا تحدث بسرعة بل تتكوّن من خطوات متراكمة تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه. ومع مرور الوقت يلاحظ أنه عاد يتأثر، ويستمتع، ويرى التفاصيل بطريقة مختلفة، كما لو أن حياته عادت تقترب منه بعد فترة من المسافة.

وفي النهاية، ربما كان جوهر فكرة هنري هو ببساطة أن الفراغ الداخلي لا يتوقف عن النمو إذا تُرك بلا مواجهة، وأن الإنسان ليس بحاجة إلى ثورة كي يعيد التوازن إلى نفسه. يكفي أن يبدأ بخطوة واحدة فقط ليخفف أثر هذا الفراغ ويستعيد شعوره بالحياة بصورة أهدأ وأكثر واقعية. خطوة صغيرة، لكنها كافية لتفتح الباب أمام عودة كاملة تحدث ببطء، وببطء فقط، تستعيد الحواس قدرتها على الالتقاط من جديد.