LYNN TOHME

LYNN TOHME

حين يُمزّق الخيط جناحًا لا يُفترض أن يُمسّ

حين يُمزّق الخيط جناحًا لا يُفترض أن يُمسّ

عاد النقاش حول الإخصاء الكيميائي إلى الواجهة عالميًا بعد أن أعلنت كازاخستان إعادة العمل به ضد المعتدين على الأطفال، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها محاولة لحماية القاصرين بعد ارتفاع مقلق في الجرائم الجنسية. هذا الإجراء، رغم قسوته، يعكس شعورًا عالميًا بالعجز. القوانين التقليدية لم تعد تكفي أمام أرقام صادمة تفيد بأن فتاة واحدة من كل ثمانية حول العالم تتعرض لاعتداء جنسي قبل بلوغها الثامنة عشرة. وتشير بيانات اليونيسف إلى أن أكثر من 650 مليون امرأة وفتاة حول العالم عاشوا شكلًا من أشكال العنف الجنسي في طفولتهم، وأن 90 في المئة من تلك الجرائم لا يجري التبليغ عنها. ملايين الأطفال يواجهون صدمات صامتة لا يعرفون كيف يصفونها ولا يمتلكون الأدوات النفسية لمواجهتها، ما يجعل الخطر أكبر من قدرة القوانين على التعامل معه.

لكن كل هذا النقاش النظري حول الحماية والردع اصطدم لديّ في يوم واحد بواقع مختلف تمامًا، واقع لا يحتاج إلى تقارير لتوضيح هشاشته. بينما كنت أسير في شارع عادي، اقترب رجل على دراجة نارية وصفعني على مؤخرتي. انتهت الحركة خلال ثانية واحدة، لكنها أعادت تشكيل علاقتي بالمكان وبجسدي وبالأمان. لم يكن الاعتداء بسيطًا، ولم يكن عابرًا. كان إعلانًا مباشرًا بأن الحدود الجسدية يمكن أن تُخترق بلا خوف من العقاب، وأن الأمان ليس حالة ثابتة بل شعور يمكن فقدانه في لحظة. عدت إلى المنزل وما زال صوت الدراجات في الخارج يستفز ارتعاشًا فوريًا في جسدي. لم أفكر في القوانين ولا في العقوبات، بل فكرت في كيف يمكن لامرأة راشدة مثلي أن ترتجف من صفعة واحدة، ثم فكرت في الأطفال والنساء اللواتي واجهن اعتداءات كاملة وليس مجرد لمسة، وكيف يعيش شخص تعرض للاغتصاب داخل البيت نفسه الذي يضم المعتدي، وكيف يمكن لجسد كهذا أن يشعر بالأمان من جديد من دون علاج طويل ودعم نفسي متخصص.

وفي منتصف هذا الاضطراب الشخصي ظهرت أمامي أخبار زادت وضوح الصورة. كانت أولها قصة طفلة أُجبرت على الزواج من مغتصبها بحجة حماية سمعة العائلة. لم يكن الخبر مجرد واقعة استثنائية، بل مثالًا على كيفية تحويل الجريمة إلى اتفاق اجتماعي يطوي الحديث بدل أن يواجه الحقيقة. بعد ذلك قرأت عن قضية من العراق تجاوزت كل حدود المنطق. امرأة تعرضت للاغتصاب ذهبت إلى مركز الشرطة لتقديم بلاغ، لتتعرض داخل غرفة التحقيق نفسها لاعتداء ثانٍ على يد عنصر أمن مكلف بأخذ إفادتها. لم يكن ذلك مجرد انحراف فردي، بل دليل على بنية كاملة تسمح للعنف بالانتقال من يد إلى أخرى، من الشارع إلى المنزل إلى المؤسسة الرسمية، بلا أي ضمانة بأن الضحية ستجد حماية في أي مكان.

تبيّن لي أن ما حدث لي في الشارع، وما حدث لتلك الطفلة، وما حدث لهذه المرأة العراقية، ليست وقائع منفصلة، بل حلقات متجاورة في سلسلة واحدة. هناك خيط واضح يربط بين الصفعة والزواج القسري والاغتصاب داخل التحقيق. هذا الخيط هو الثقافة التي تمنح الجاني مساحة ليمتد وتطلب من الضحية أن تنكمش. الثقافة التي تصر على تفسير العنف بأنه خطأ أو زلة أو حادث، بينما تجرّد الضحية من حقها في الغضب والشكوى والحماية. الثقافة التي تضع قيمة سمعة العائلة فوق سلامة الجسد، وتمنح الغفران للمعتدي وتلقي العبء كله على من تعرض للضرر.

وهذا ما يجعل كثيرًا من النقاشات العربية حول العنف الجنسي غير مكتملة. فهناك تركيز دائم على العقوبة الأكثر قسوة، مثل الإخصاء الكيميائي، باعتبارها حلًا جذريًا. لكن الحقيقة أن أي عقوبة، مهما بلغت قسوتها، لن تنجح في فراغ. لا عقوبة قادرة على تغيير مجتمع يعتبر جسد المرأة والطفل مجالًا عامًا ومفتوحًا. يمكن للإخصاء الكيميائي أن يوقف شخصًا محددًا، لكنه عاجز عن منع المجتمع من إعادة إنتاج اللمسة الأولى، والإنكار الأول، والتبرير الأول. القانون يستطيع أن يردع مجرمًا، لكنه لا يستطيع أن يغير منظومة كاملة تتسامح مع العنف في الشارع، في المدرسة، في البيت، وحتى في غرفة التحقيق.

في ذلك اليوم حدث معي أمر يبدو بسيطًا أمام المآسي الكبرى، لكنه كان المفتاح لفهم الصورة الكبرى. الصفعة التي تلقيتها كانت صغيرة مقارنة باغتصاب طفلة أو إجبار امرأة على الصمت أو تعرض ناجية لاعتداء ثانٍ داخل مركز حماية، لكنها فتحت نافذة لفهم أن الخلل ليس في شدّة الحوادث بل في طبيعة البنية التي تسمح لها بالحدوث. الطفلة التي تُنتزع طفولتها تحت مسمى الزواج، والمرأة التي تُسلب كرامتها داخل مؤسسة رسمية، وأنا التي كنت أعبر الشارع بثقة قبل أن تُسلب تلك الثقة في لحظة واحدة. هذه التجارب، رغم اختلاف الظروف، تكشف حقيقة واحدة. نحن لا نعاني من نقص القوانين، بل من فائض العنف. نعاني من مجتمع مريض يعيد بناء نفسه فوق صمت الضحايا، ويطلب من كل من تعرضت للاعتداء أن تتجاوز، بينما يترك المعتدي ينتقل إلى مكان آخر وضحية أخرى.

ليس المطلوب إلغاء العقوبات أو التقليل من أهميتها، بل الاعتراف بأن القانون لا يعمل وحده. العنف لا يبدأ عند مستوى الاغتصاب، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، في النظرة التي يتم تجاهلها، في اللمسة التي يتم تبريرها، في الصمت الذي يُفرض على الضحية، في القيم التي تمنح الرجل حقًا غير معلن في أجساد الآخرين. حماية الجسد لا تبدأ بالإخصاء الكيميائي، بل تبدأ بالوعي بأن أي انتهاك، مهما بدا بسيطًا، هو إشعار بخلل نسقي عميق لا تصلحه العقوبات وحدها. حماية الجسد هي ثقافة قبل أن تكون قانونًا، وإعادة تعريف لهذه الحدود باعتبارها مقدسة وغير قابلة للمساومة