LYNN TOHME

LYNN TOHME

ماذا نحتاج أن نعرف عن الإنترنت قبل أن نعلّمه لأطفالنا؟

ماذا نحتاج أن نعرف عن الإنترنت قبل أن نعلّمه لأطفالنا؟

نتقن جيداً بعض الأحاديث التي يجب أن نجريها مع أطفالنا. نعلّمهم كيف يعبرون الشارع، ولماذا لا يذهبون مع شخص غريب، ومتى يجب أن يطلبوا المساعدة. ثم يأتي الإنترنت، فنجد أنفسنا أمام مساحة يقضي فيها الأطفال والمراهقون جزءاً متزايداً من حياتهم، بينما لا تزال معظم النصائح التي نملكها عنه تدور حول كلمات المرور، والغرباء، ووقت الشاشة.

المشكلة ليست في أن هذه النصائح خاطئة، بل في أنها لم تعد كافية.

فالإنترنت الذي نستخدمه اليوم ليس مجرد مجموعة مواقع ندخل إليها ونخرج منها. خلف الشاشة منظومة كاملة تقرر ما يصل إلينا، وتقيس أجزاء من سلوكنا، وتحاول التنبؤ بما قد يثير اهتمامنا، وتحوّل انتباهنا إلى قيمة اقتصادية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى البحث والتعليم والمحادثات اليومية، أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً.

ربما لهذا السبب علينا، قبل أن نسأل ماذا يجب أن نعلّم أبناءنا عن الإنترنت، أن نعترف بحقيقة أقل راحة: هناك أشياء أساسية عن الإنترنت لم يعلّمنا إياها أحد.

نحن لا نشارك البيانات فقط. نحن ننتجها.

عندما نسمع كلمة “بيانات”، نفكر غالباً في المعلومات التي نكتبها بأنفسنا: الاسم، رقم الهاتف، البريد الإلكتروني، تاريخ الميلاد أو الموقع. لكن المنصات تستطيع التعامل أيضاً مع نوع آخر من المعلومات: الإشارات التي نتركها أثناء الاستخدام.

ماذا شاهدنا؟ كم من الوقت بقينا؟ ماذا بحثنا؟ أين ضغطنا؟ ما الذي عدنا إليه مرة ثانية؟

لا تحتاج هذه الإشارات إلى أن تقول صراحةً “أنا مهتم بهذا”. يكفي أن تتكرر بطريقة تسمح ببناء استنتاجات عن اهتمامات المستخدم وعاداته.

وهنا يظهر مفهوم مهم في نقاش الخصوصية الرقمية: البيانات المستنتجة (Inferred Data). أي أن ما يمكن معرفته عنا لا يقتصر بالضرورة على المعلومات التي قررنا الإفصاح عنها.

بيانات الموقع مثال واضح. في تحقيق تناولته “سمكس” عام 2026 حول أداة Webloc، أظهرت بيانات مرتبطة بنحو 500 مليون جهاز كيف يمكن لأنماط حركة الهاتف أن تساعد في تحديد أماكن مثل المنزل والعمل. لم يحتج المستخدم إلى كتابة عنوانه؛ نمط الحركة نفسه أصبح معلومة.

وهذا يغيّر الطريقة التي نفكر بها في الخصوصية. السؤال لم يعد فقط: “ماذا شاركت؟”، بل أيضاً: “ماذا يمكن أن يُستنتج مما شاركت أو فعلت؟”

ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة ما يحدث حولنا

نفتح منصات التواصل فنجد أمامنا عالماً جاهزاً: أخباراً، آراءً، أشخاصاً، أزمات، منتجات ومواضيع يبدو أن “الجميع” يتحدث عنها.

لكن الـFeed ليس نافذة شفافة على العالم. هو نتيجة نظام ترتيب وتوصية.

تستخدم المنصات إشارات مختلفة لتحديد ما يحتمل أن يجذب انتباه المستخدم، ولهذا يمكن لشخصين أن يفتحا التطبيق نفسه في اللحظة نفسها ويشاهدا تجربتين مختلفتين جذرياً.

هذه المعلومة تبدو تقنية، لكن أثرها اجتماعي جداً.

عندما نرى الموضوع نفسه مراراً، يصبح من السهل أن نشعر بأنه أهم أو أكثر انتشاراً مما هو عليه بالضرورة. وعندما تتكرر أمامنا الآراء نفسها، قد يصبح من الصعب أن نعرف أين ينتهي الواقع وأين تبدأ النسخة التي اختارتها المنصة لنا منه.

لذلك، إلى جانب سؤال “هل هذه المعلومة صحيحة؟”، نحتاج إلى سؤال آخر:

لماذا وصلت إليّ؟

ليس بهدف الشك في كل شيء، بل لفهم أن اختيار المحتوى وترتيبه جزء من تجربة الإنترنت نفسها.

وهناك صناعة كاملة تتنافس على انتباهنا

من السهل أن نقول لمراهق: “اترك الهاتف قليلاً”.

الأصعب أن نشرح له أن بعض المنتجات الرقمية صُممت تحديداً لتقليل عدد اللحظات التي قد تدفعه إلى تركه.

التمرير اللانهائي أزال نهاية الصفحة. التشغيل التلقائي أزال الحاجة إلى اختيار الفيديو التالي. الإشعارات تعيد المستخدم إلى التطبيق بعد مغادرته. والـStreaks تحول العودة اليومية إلى سلسلة قد نشعر بأن علينا المحافظة عليها.

هذه ليست مصادفات صغيرة في التصميم. فالوقت الذي نقضيه داخل العديد من الخدمات الرقمية له قيمة تجارية.

وهنا تصبح فكرة اقتصاد الانتباه مهمة. المنافسة ليست دائماً على ما نشتريه فقط؛ إنها أيضاً على الدقائق التي ننظر فيها إلى الشاشة، والمحتوى الذي نتفاعل معه، والاحتمال بأن نبقى لفترة أطول.

معرفة ذلك لا تعني أن كل منصة تحاول “إدمان” مستخدميها، ولا أن كل تصميم تلاعبي. لكنها تعيد جزءاً من السياق الذي يختفي عندما نحول النقاش كله إلى “قوة إرادة” المستخدم.

هناك فرق كبير بين أن تقول لطفل: “لا تستطيع ترك هاتفك”، وبين أن تشرح له أن التكنولوجيا نفسها لها تصميم وحوافز، ويمكنه أن يتعلم ملاحظتها.

والآن أصبح الإنترنت يتحدث إلينا

ثم جاء الذكاء الاصطناعي وغيّر شيئاً أساسياً آخر.

في محرك البحث، كان السؤال يقودنا غالباً إلى مصادر. أما في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد يقود السؤال مباشرة إلى إجابة مكتملة، مكتوبة بلغة سلسة وواثقة.

وبحسب UNICEF، كان الأطفال في بيانات منشورة عام 2026 يتبنون تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تزيد على ثلاثة أضعاف البالغين، وكان واحد من كل عشرة أطفال ضمن بيانات شملت عشر دول يستخدم الذكاء الاصطناعي للحصول على نصيحة حول أمر يقلقه.

هذا التحول يستحق الانتباه ليس لأن الأطفال يستخدمون تقنية جديدة، بل لأنهم قد يستخدمونها في مساحة كانت سابقاً بشرية جداً: طلب النصيحة.

النظام يستطيع أن يقول “أفهم”، وأن يجيب فوراً، وأن يصيغ رداً يبدو شخصياً. لكن اللغة المقنعة لا تعني أن النظام يفهم المستخدم بالطريقة البشرية، كما أن الثقة التي تبدو في صياغة الإجابة لا تضمن صحتها.

لهذا، ربما تكون إحدى أكثر العادات قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي بسيطة جداً: عندما تكون المعلومة مهمة، لا تكتفِ بالإجابة. ابحث عن المصدر.

الثقافة الرقمية ليست دورة في استخدام الهاتف

من السهل أن نصف الأطفال بأنهم “جيل رقمي”. فهم يتعلمون التطبيقات بسرعة، ويكتشفون الميزات الجديدة قبلنا، ويتنقلون بين المنصات بسهولة تبدو أحياناً وكأنها معرفة فطرية.

لكن الطلاقة في استخدام التكنولوجيا ليست بالضرورة فهماً لها.

يمكن لشخص أن يستخدم منصة لساعات كل يوم من دون أن يعرف كيف تُرتب توصياتها. ويمكنه أن يستخدم الذكاء الاصطناعي ببراعة من دون أن يعرف لماذا قد يختلق معلومة. ويمكنه أن يضغط على جميع أزرار الخصوصية الصحيحة من دون أن يعرف ما الذي يمكن استنتاجه من البيانات التي تبقى.

وربما هنا تكمن المعرفة الرقمية التي تستحق أن تنتقل من جيل إلى آخر.

ليس أن نحفظ لأطفالنا قائمة بالمواقع الخطرة. ستتغير المواقع. وليس أن نعرف كل تطبيق يستخدمونه. ستظهر تطبيقات جديدة قبل أن ننتهي من فهم الحالية.

ما يمكن أن يبقى هو أن يعرفوا أن وراء الشاشة دائماً أسئلة تستحق أن تُطرح: من صنع هذه الخدمة؟ كيف تربح؟ ما الذي تعرفه عني؟ لماذا يظهر لي هذا المحتوى؟ وما الذي يحدث للمعلومات التي أضعها هنا؟

هذه الأسئلة لا تعفي الشركات أو الحكومات من مسؤولياتها. على العكس. لا يمكن أن تصبح “الثقافة الرقمية” ذريعة لتحميل المستخدم مسؤولية أنظمة غير شفافة أو ممارسات تنتهك الخصوصية. حماية الحقوق الرقمية تحتاج أيضاً إلى قوانين، وشفافية، ومساءلة، وتصميم أكثر احتراماً للمستخدم.

لكن المعرفة تمنحنا شيئاً أساسياً: القدرة على رؤية التكنولوجيا كما هي، لا كما تظهر على الشاشة فقط.

ربما لن نكون الجيل الذي يعلّم أبناءه كيف يستخدمون الإنترنت. على الأرجح، سيتفوقون علينا في ذلك بسرعة.

لكن يمكن أن نعلّمهم شيئاً أكثر بقاءً:

ألا يسألوا فقط: ماذا يمكنني أن أفعل بهذه التكنولوجيا؟ بل أيضاً: ماذا تفعل هذه التكنولوجيا بي؟