LYNN TOHME

LYNN TOHME

هل تساءلنا يوماً عن أحلام أمّهاتنا من دون أن نكون محورها؟

هل تساءلنا يوماً عن أحلام أمّهاتنا من دون أن نكون محورها؟

لقد زرعت أمّهاتنا فينا شعوراً بأننا مسؤولون عن سعادتهم، فيحققن أحلامهن من خلالنا. وهنا تبدأ أحاديثهن عن وظيفتنا المستقبلية قبل أن ندخل المدرسة حتّى، وتندمج هذه الأحاديث في تفاصيل تربيتنا. فنخجل من هذا الحبّ الممزوج بالطموح، ونذوب في تصوّراتهن من دون أن نشعر، كأنّ حياتنا تُخطّ بملامح أحلامهن، وصوت المستقبل يخرج من أفواههن لا من داخلنا. ننسى أنّنا وُلدنا لهذا الكون لنعيش هويّتنا نحن، لا أن نحمل فوق أكتافنا هوية مزدوجة. نكتم رغباتنا أحياناً، ونشعر بالثقل ونحن نجرّ وراءنا أحلامنا وأحلامهن معاً. تعلّمت الحبّ من أمّي، تعلّمت القوّة منها، وتعلّمت من دون قصد معنى التضحية. علّمتني أمّي كلّ شيء عن هذه الحياة، لكنها نسيت أن تُغذّي معرفتي بأهمية صحّتي العقلية والنفسية. نسيت أن تخبرني أنّ أعظم هديّة يمكن أن يمنحها الإنسان لنفسه هي أن يُسعد ذاته قبل أن يحاول إسعاد عائلته. كيف لأمّي أن تغفل هذا الأمر؟ وكيف لي أن أقنعها أنّنا نريدها سعيدة رغم قسوة ما يجري حولنا، وأنّ ترتيب أولوياتها النفسية أهمّ من ترتيب بيتنا.

ما لا يُقال غالبًا في هذا النوع من الحكايات هو أن المشكلة لا تكمن في الأمومة بحدّ ذاتها، ولا حتى في “التضحية”، بل في الطريقة التي حوّل بها المجتمع الحبّ إلى نظام أخلاقي للضبط. الحبّ هنا لا يُفهم بوصفه علاقة، بل بوصفه التزامًا، ولا يُقاس بالقرب أو الحضور، بل بمدى الاستعداد لتحمّل الألم من دون شكوى. في هذا الإطار، تصبح الأمومة أحد أكثر المواقع كثافة لهذا الضبط الأخلاقي، لأنّها تُقدَّم بوصفها المجال “الطبيعي” الذي يُسمح فيه بتذويب الذات باسم العطاء. لا أحد يُجبر الأمهات على ذلك بالقوة، بل يُدرَّبن عليه عبر خطاب طويل يجعل الذنب هو الأداة الأساسية للتأديب: ذنب التقصير، ذنب الراحة، ذنب اختيار النفس، وذنب الرغبة في حياة لا تتمحور بالكامل حول الآخرين. بهذا المعنى، لا تكون التضحية خيارًا، بل نتيجة منطقية لنظام يجعل الحبّ مرهونًا بإلغاء الذات.

هنا تكتسب فكرة “الحمل العقلي” معناها الأعمق، لا بوصفها توصيفًا للتعب فقط، بل كآلية تشغيل لهذا النظام. فالدراسة المنشورة عام 2025 بعنوان Beyond Time: Unveiling the Invisible Burden of Mental Load لا تكشف فقط حجم الجهد الذهني الذي تتحمّله النساء، بل توضّح كيف يعمل هذا الجهد كعمل غير مدفوع وغير مرئي، لأن الاعتراف به سيهزّ الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه توزيع الأدوار. التفكير الدائم، التوقّع، التنظيم، القلق الاستباقي، ليست مجرد مهام إضافية، بل شكل من أشكال السيطرة الناعمة: طالما المرأة تفكّر في كل شيء، فهي لن تملك المساحة الذهنية للتفكير في نفسها خارج الدور. هكذا، لا تُهمَّش الصحّة النفسية صدفة، بل لأن حضورها يتعارض مع نموذج الأمومة القائم على الاستعداد الدائم، ومع فكرة أن الحبّ الحقيقي لا يحتاج إلى حدود.

من هنا، فإن الحلّ لا يكمن في مطالبة الأمهات بتغيير سلوكهن الفردي، ولا في إضافة واجب جديد اسمه “العناية بالذات”، لأن ذلك يعيد إنتاج المنطق نفسه: تحميل المرأة مسؤولية الخروج من نظام صُمّم ليستنزفها. الحلّ يبدأ من تفكيك العلاقة بين الحبّ والذنب، وحين لا تعود التضحية معيارًا للحبّ،  ولا تحتاج إلى إثبات نفسها عبر الإنهاك. أعظم هدية يمكن أن تُمنَح للأمهات ليست شكرًا إضافيًا، بل اعترافًا بأن الحبّ لا يفترض الخسارة، وأن العلاقة التي لا تسمح بوجود الذات ليست علاقة صحّية مهما كانت نواياها. في هذا المعنى، لا يكون ترتيب الأولويات النفسية فعل تمرّد، بل استعادة لمعنى أبسط وأصدق للحبّ: أن يكون مساحة حياة، لا نظام عقاب أخلاقي مستمر.