.الحرب ليست ما يحدث فجأة. الحرب هي ما نعتاد عليه
حين تصبح صور النساء تحت الركام مشهداً عابراً، حين يُختصر مستقبل الفتيات في سطر إخباري، حين نقرأ عن نزيف الأمهات أو حرمان الطالبات وكأنها تفاصيل عابرة. هذا الاعتياد هو وجه آخر للاختناق: بطيء، متواصل، بلا صراخ
غزة: الجسد تحت الحصار
غزة لا تحتاج إلى مقدمة. كل شيء فيها واضح وصارخ: مستشفيات تخرج عن الخدمة، أمهات يلدن في مدارس تحوّلت إلى ملاجئ، أجساد تتشقق من الألم وسط العتمة
لكن ما يوجع أكثر من القصف هو كيف صار المشهد مألوفاً: مقاطع الفيديو التي تُظهر نساء يلدن بلا قابلات تنتشر على منصات التواصل ثم تختفي سريعاً تحت أخبار أخرى
غزة اليوم ليست فقط أرضاً مقصوفة؛ إنها درس في كيف يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة: أن يصبح موت النساء على أبواب المستشفيات خبراً روتينياً
اليمن: الطفولة المبتورة
في اليمن، الحرب تشبه مرضاً مزمناً يأكل الجسد ببطء.لا صور يومية على الشاشات، بل موت صامت: بنات يخرجن من المدرسة ليُزففن إلى رجال يُكبرنهن بعشرات السنين، أمهات يبحثن عن دواء غير موجود، عيادات مغلقة بسبب نقص التمويل
هنا الاعتياد مختلف: ليس في الصور، بل في الصمت. في القبول بأن زواج القاصرات هو “تكيّف” مع الفقر، وأن وفاة امرأة أثناء الولادة قدرٌ إلهي لا مسؤولية بشرية
.اليمن يعرّينا أمام حقيقة مؤلمة: كيف يصبح القهر جزءاً من ثقافة البقاء
سوريا: الخوف كسقفٍ يومي
.في المخيمات السورية، الحرب لم تعد في الخارج. الحرب تعيش في الخيمة
ليست المشكلة في غياب الطعام فقط، بل في غياب الأمان. نساء يضعن حجارة أمام باب القماش لعلها تمنع المعتدي، أمهات يخفين بناتهن عن أعين الجيران، صمت يتكرر كل ليلة
سوريا تكشف وجهاً آخر للاختناق: الخوف الذي يتربى داخل الجسد. الخوف الذي لا ينتهي مع وقف إطلاق النار، بل يستمر في العيون المرتابة، في الصمت الموروث، في خيمة تبدو مؤقتة لكنها تتحول إلى قفص دائم
أفغانستان: الحذف المؤسَّس
.أما في أفغانستان، فالحرب لبست شكلاً أكثر تنظيماً: حذف النساء من المجال العام
لا صراخ ولا دماء. فقط أبواب مدارس مغلقة، دفاتر متروكة، أحلام معلّقة. أكثر من مليوني فتاة مُنعن من التعليم الثانوي بجملة واحدة من “السلطة”
هذا ليس استثناءً ولا فوضى؛ بل نظام كامل يدرّب المجتمع على قبول غياب النساء
في غزة يُخنق الجسد بالقصف، في اليمن يُستنزف بالزواج والفقر، في سوريا يُحبس بالخوف، أما في أفغانستان فيُمحى بالقرار. أربع طرق مختلفة لغاية واحدة: إسكات النساء
.لكن الاعتياد يُحوّل الصرخة إلى صمت. نحن أنفسنا نصير جزءاً من هذا الصمت حين نقرأ ولا نتوقف، حين نحزن قليلاً ونكمل يومنا
كسر الاعتياد: التعوّد نوعٌ آخر من الاختناق، لكنه أيضاً أداة سلطة. كل منظومة قمع في هذه المنطقة, من الاحتلال إلى الفقر إلى الأنظمة الدينية والديكتاتورية, لا تكتفي بقتل النساء، بل تعمل على تدريبنا جميعاً على قبول موتهن
لكن ما لم ينجحوا فيه بعد هو هذا: الذاكرة
أن نكتب يعني أن نكسر الاعتياد. أن نعيد الحكاية إلى جسدها الإنساني. أن نقول إن غزة ليست مجرد “أوضاع إنسانية”، إن اليمن ليس مجرد “أزمة”، إن سوريا ليست مجرد “نزوح”، وإن أفغانستان ليست مجرد “شأن داخلي”
أن نكتب يعني أن نعلن أننا لم نعتد